إبراهيم القاضي

kazi - feature wiki

 

 

إبراهيم بن حمد القاضي؛ السعودي الذي أقام في الهند محدثاً ثورة في المسرح الهندي بإنتاجه و تدريسه و منهجه؛ ومدير المدرسة الوطنية للدراما في الهند التي تتلمذ على يديه فيها بعض أبرز نجوم بوليود والمسرح. اقترن اسمه بقاعات الاحتفاء وأوسمة التكريم في شتى بقاع العالم تقديراً لنتاجه الفني إذ صنع من المسرح في الهند نشاطاً منضبطاً وعلمياً، وغرس رؤيته كواجهة رئيسية لأنشطة وفلسفة المسرح الهندي. حسب تعريف موسوعة ويكبيديا الشهي: يعتبر إبراهيم القاضي أحد أكثر المخرجين المسرحيين وأساتذة الدراما تأثيراً في القرن العشرين.

 

  • بداية الرحلة: بين الثقافات

كانت الهند في نهاية القرن التاسع عشر ملجأ آمناً للتجارة مع بلدان الخليج والجزيرة العربية، والمركز التجاري والاقتصادي، بل وحتى السياسي الأول في معظم آسيا. مما دعا العديد من أبناء الجزيرة العربية إلى طرق دروب التجارة إذ كان مشهوراً لدى عوائل نجد والخليج في القرون الماضية انتخاب أنبغ أبنائها وإرساله للهند لتعلم فنون التجارة والاستيراد والاشتغال بها. وفي ذلك المناخ السياسي وبسبب قوة الهند البشرية الهائلة والمساحات الزراعية الضخمة والصناعات التي راحت تغزوها، علاوة على وسائل المواصلات البحرية المتوفرة من وإلى الخليج والجزيرة، دفعت كل هذه المغريات إلى هجرة بعض تجار الخليج العربي والجزيرة العربية إلى الهند واتخاذهم إياها مقراً رئيسياً لممارسة تجارتهم المتنوعة في تصدير المواد الغذائية ومواد البناء والأقمشة وغيرها إلى بلدانهم، واستيراد اللؤلؤ وغيره من المنطقة للمتاجرة به في أسواق الهند الكبيرة.

 

kazi-1

مجموعة من التجار الخليجيين في الهند من بينهم السيد محمد علي البسام (السابع من اليمين-جلوس) والسيد عبدالرحمن عبدالعزيز البسام (الرابع من اليمين-وقوف)

 

على ذلك نبغ نماذج لتجار ومبدعين من منطقة نجد آثروا الهجرة إلى بقاع مختلفة من العالم واستوطن البعض منهم في كثير من الدول التي هاجروا إليها وكانت لهم بصمات في هذه الدول، بل تعدى الأمر لأن يصبح لهم حضور اجتماعي واقتصادي فيها. أحد هذه النماذج، من ضمن مئات من المهاجرين النجديين الذين جالوا في كل خرائط الدنيا، وظلوا مكافحين نادرين، ومهاجرين أوفياء لبلدانهم، هو التاجر حمد بن علي القاضي الذي وُلد يتيم الأب في عنيزة في القرن التاسع عشر وأرسله أعمامه إلى بومباي حيث بدأ حياته بالعمل لدى أحد أقاربه من عائلة البسام في تجارة الشاي قبل أن يشق طريقه في تجارة الشاي والأقمشة وغيرها.

التاجر حمد بن علي القاضي (والد إبراهيم)

التاجر حمد بن علي القاضي (والد إبراهيم)

 

كافح حمد القاضي في تعلّم فنون التجارة واستقل بعدها مفتتحاً تجارته الخاصة في استيراد الشاي والأقمشة، بالتزامن مع العمل في الطب الشعبي ومعالجة الخيول، فقضى حياته بعد ذلك في التنقل بين الهند وباكستان وتركيا والكويت والبحرين ولبنان من أجل التجارة. استقر، بعد أن تزوج بإحدى بنات عائلة النصّار الكويتية، في مدينة بونا الهادئة التي تبعد عن بومباي 150 كيلو متراً، وأنجب تسعة أطفال من بينهم إبراهيم الذي وُلد عام 1925م.

 

ترعرع إبراهيم وإخوته في بيئة ملؤها حب الإطلاع والتعلم الذاتي إذ كان والده حمد محباً للكتب وجامعاً لها، ينشىء مكتبات في أي مكان يستقر فيه. يقول إبراهيم القاضي :”جزأ كبير من تعليمي جاء من القراءة بفضل كتب والدي. ولدي الآن ثمان مكتبات في أماكن مختلفة من العالم”. وقد جلب لأبنائه مدرساً للعلوم الإسلامية والعربية من السعودية، عاش معهم كأحد أفراد العائلة في منزلهم. وكان الأبناء لا يحظون بقدر كبير من الراحة حيث يعودون من المدرسة الهندية بعد نهار مضن في تعلم الإنجليزية والفرنسية والهندية والعلوم العصرية، ليبدؤوا حصصا في اللغة العربية والقرآن والتفسير والحديث مع مدرسهم المنزلي، مما ساهم في تشكيل قاعدة صلبة من العلوم الإسلامية لديهم إضافة إلى اللغة الانجليزية والفرنسية التي تعلموها في المدرسة. يقول القاضي وهو يتذكر أيام طفولته:”لم أحظى بإجازة عن الدراسة حتى بلغت السادسة عشر من عمري. عندما تكون المدارس مغلقة لإجازة الصيف يكون لدينا في البيت دروس باللغة العربية من الصباح حتى المساء”

في أحد مكتباته

في أحد مكتباته

 

 

هكذا كانت طفولة إبراهيم القاضي، تتشكل من مزيج ثقافي هندي تمليه عليه البيئة والمدرسة، وعربي إسلامي تعلمه على يد معلمه العربي ووالده الذي وفر له مكتبة كاملة من الكتب العربية النادرة في الهند والتي تحوي أمهات كتب الأدب العربي. ولم يتوقف انفتاحه الثقافي على هذا الحد، فنشأته في بي بيئة تعددية متسامحة تشي بكسر حواجز الاختلاف الثقافي والعرقي. كان مسكنهم في بونا في شقة ضمن مبنى يضم خليطاً من الهندوس والمسلمين واليهود والإنجليز والفرس وطائفة البارسي، وكانت العلاقات بين هذا الخليط جيدة ومتماسكة ولا تشوبها امراض العنصرية والكراهية والاستعلاء وكان يشوب جيرتهم شعور هائل من حسن الجوار، وتقاليد عظيمة من زيارات بعضهم البعض بشكل غير رسمي. يروي إبراهيم القاضي أن والده تعلم منهم بعض اللهجات وبعض المهن التي ساعدته مع مرور الوقت.

 

وبطبيعة الحال، فلو لا هذه البيئة لما استطاع الابن الأكبر إبراهيم أن يصبح فناناً شاملاً، وعلماً من أعلام الإخراج والرسم والتصوير والدراما والتراث والتحف الفنية وغير ذلك من المواهب التي تتطلب حساً إنسانياً مرهفاً، بل ويصبح من أكبر المخرجين المسرحيين في الهند.

وقد بدأ شغف إبراهيم بالمسرح مبكراً عندما كان طالباً في المدرسة. يذكر إبراهيم أن أحد المؤثرين في حياته كان المسؤول عن المكتبة في مدرسته، الذي شجعه على المشاركة في المسرحية السنوية للمدرسة بين عمر 9 و 14 عاماً.

 

  • حركات الفنون التقدمية في الهند

في عام 1941م، توجه إبراهيم إلى بومباي للعمل مع والده وكذلك للالتحاق بأحد أشهر جامعات المدينة وهي كلية “سان زيفيير” حيث بدأ القاضي الشاب رحلته مع المسرح منخرطاً في سلك الحركة الفنية التقدمية وانضم لمجموعة سلطان بادامسي المسرحية في بومباي، رائد حركة المسرح الإنجليزي في الهند. من الأمور التي ساهمت في مسيرته المسرحية الفعاليات التي كانت تقام في بونا أثناء الحراك الشعبي من أجل الاستقلال عن بريطانيا في ثلاثينيات وأربعينات القرن العشرين ومعاصرته لسنوات الحرب العالمية الثانية وانفصال الهند عن باكستان.

 

كان إبراهيم الشاب يميل للحركات التقدمية التي تدعو للتواصل مع العالم

كان إبراهيم الشاب يميل للحركات التقدمية التي تدعو للتواصل مع العالم

 

اضطراب الأوضاع السياسية في ذلك العهد أدى لنشوء أو تطور حركات فنية جاء بعضها منادياً بالقومية وبالحنين للماضي والموروث مثل مدرسة البنغال للفنون ، والآخر داعياً للانفتاح على العالم ومشجعاً لتكوين طليلعية ( Avant-grade ) هندية تنخرط في الحراك الثقافي العالمي. لم يكن من غير المتوقع أن ينضم إبراهيم القاضي لحركة الفنون التقدمية التي رفضت أفكار المدرسة البنغالية، بالنظر إلى تأصّله على مبدأ الانفتاح منذ طفولته. تأثر أشد التأثر بشخصية سلطان بادامبسي الذي يقول عنه: “أكثر شخص التقيت به عبقرية” وأصبح صديقاً مقرباً منه إلى أن انتهى به الحال بالاقتران بأخته روشان الفنانة ومصممة الأزياء.

 

استقل القاضي عن مجموعة سلطان بادامبسي وأسس وحدة المسرح الخاصة به عام 1954م. وأحدث ثورة في المسرح الهندي بسلوكه نهج محترف مطّلع فنياً على كافة أصعدة صناعة المسرح من إدارة الخشبة وبناء الشخصيات والإخراج وغيرها. وقد كان إلى ذلك موصوفاً برؤيته الفذة وانضباطه ومراعاته للتفاصيل. أصبح القاضي أهم إداريي النصوص المكتوبة والمتكلمة في مرحلة ما بعد الاستقلال. انتاجاته الرائعة في التقليديات باللغة السنسكريتية والغربية أعطت طاقة جديدة للمسرح في تلك الحقبة نالت بها مسرحياته بشكل سريع استحسان المتلقين في بومباي و بعدها في دلهي.

 

وبدأ الناس يعرفون اسم إبراهيم القاضي مصمماً ومبتكراً ومخرجاً، وكان يختار قاعات وأماكن غير اعتيادية لمسرحياته وكان بالذات قادر على الاستفادة من اللحظات التاريخية كما فعل في مسرحية “أندها يوغبل يندإ يبوتش” (AndhaYugBlindEpoch) التي كتبها ضرام فير باهراتي (مواليد ١٩٢٥م) ، و في مسرحية “توبلاك” (Toplaq) التي كتبها جيريش كارناد، أحد أبرز الكتاب المسرحيين في الهند في القرن العشرين.

 

بالحديث عن تلك الحقبة يقول القاضي: “كنت مشارك في المظاهرات ضد الوجود الإنجليزي حتى قيام الحرب العالمية الثانية التي اندلعت في عام 1939م، وجرى تحول كبير في داخلي. في بومباي كان الناس يتعاملون مع والدي وكأنه أجنبي، وبعد تأسيس باكستان انتقل والدي لكراتشي للسكن فيها ولم يستقر وانتقل لتركيا في بداية تأسيسها على يد أتاتورك ولم يعجبه الوضع وقام الجيش بنفيه إلى بيروت وعبر عن خيبة أمله في ذهاب الدولة العباسية. بعدها ذهب بنا والدي إلى الكويت ودخلنا إلى المملكة العربية السعودية ولكن لم نذهب لعنيزة بل ذهبنا إلى مكة المكرمة للحج. عدنا بعدها للهند لنستقر في المكان الذي ولدت فيه”

 

إبراهيم القاضي بالزي السعودي

إبراهيم القاضي بالزي السعودي

 

  • بريطانيا و الزعيم الهندي

عندما لاحظ والده شغفه بالفنون، أرسله إلى بريطانيا لاستكمال دراسته فيها. وفي البداية كان القاضي متوجهاً لدراسة الرسم في المركز الأنجلو-فرنسي للفنون المتميز بمعلميه الباريسيين لكنه غير رأيه واندرج في صفوف الأكاديمية الملكية لفنون الدراما في لندن ويتذكر القاضي قصة انضمامه لها التي كان فيها من عفوية القاضي وحماسه ما أدهش مدير الأكاديمية. يقول القاضي: “كنت ماشياً والتفت ورأيت لوحة الأكاديمية ودخلتها بكل عفوية وسألت إذا كان بإمكاني الدراسة فيها فأعلموني بأن مقابلات القبول انتهت والدراسة بدأت، وطلبت مقابلة المدير الذي واقف على انضمامي وبقى على تواصل معي وساندني طوال فترة دراستي”

 

الأكاديمية الملكية لفنون الدراما - لندن

الأكاديمية الملكية لفنون الدراما – لندن

 

وصادف أن كان الزعيم الهندي «جواهر لال نهرو» في زيارة رسمية إلى بريطانيا، فالتقى بإبراهيم القاضي وأُعجب به لما رأى فيه من الحماس والجدية، وطلب منه أن يعود بعد إكمال دراسته إلى العاصمة دلهي لعمل فرقة مسرحية، تاركاً له الحرية المطلقة في اختيار الأعمال والأشخاص الذين يحبذ العمل معهم، وواعدا إياه بإعفائه من الرسوم والضرائب ومساعدته في إنشاء مكتبة مسرحية من أجل تأسيس مسرح جاد على أسس علمية وتقنيات متطورة يليق بريادة الهند الحضارية.

 

وقد أوفى «نهرو» بوعده، إذ بمجرد عودة إبراهيم إلى دلهي وجد من يستقبله بحفاوة، ثم تلقى دعوة من وزارة التعليم الهندية لإنشاء الكلية الوطنية للدراما التي أصبحت فيما بعد تقدم شهادات وتدريباً لمدة ثلاث سنوات على مختلف فنون العمل المسرحي، وجذبت طلاباً من مختلف أنحاء العالم، وساهمت في إحداث ثورة ثقافية في دلهي وتأسيس مسرح وطني حقيقي. وكان «نهرو» وقتئذ مهتماً بالثقافة، بدليل حرصه على اصطحاب ضيوف البلاد لحضور أعمال إبراهيم القاضي المسرحية والافتخار بها أمامهم. وكان زوار الدولة من رؤساء حكومات وعلية القوم ومشاهير العالم يأتون لحضور مسرحياته لقيمتها الفنية ولرقيها ولفخر الحكومة الهندية وإيمانهم بما يقدمه، ما اكسبه شهرة واسعة.

 

يصح القول بأن السنتين والنصف التي مكثها القاضي في بريطانيا أدت إلى الثورة المسرحية الكبرى التي أحدثها القاضي في المسرح الهندي. لم يعشق القاضي مسرحيات شكسبير وصمويل بيكيت وينقلها ويعرضها في الهند فحسب، بل كان هوسه الأكبر في نقل تجربة إعداد وإنتاج العمل المسرحي ونمذجة مراحل بناءه ابتداءً من كتابة النص وتحديد معالم الشخصيات إلى تصميم الخشبة ورسم الإضاءة وتوفير تجربة مسرحية مكتملة العناصر للجمهور.

 

  • روشان

لم يكن سلطان بادامبسي، رائد حركة الفنون التقدمية، مؤثراً في توجه القاضي الفني فقط، بل أدى أيضاً إلى اقترانه بأخته المصممة روشان. كان روشان مهتمة بالفنون التشكيلية بالإضافة إلى التصميم، وكانت خير عون لزوجها إذ صممت جميع أزياء مسرحياته وساهمت في تصميم ديكوراتها وكانت إلى ذلك في شدة الإبداع والتميز. جمعت معرفتها بالأزياء في كتابين تناولا الملابس الهندية وتفاصيلها وما طرأ عليها من تجديد. في عام 1977م أسست مع زوجها معرض التراث الفني في دلهي وأدارته حتى وفاتها عام 2007م. كما شاركت زوجها في افتتاح العديد من المعارض والمنظمات التي تعنى بحفظ التراث الفني وتصنيفه وتنمية المواهب الفنية. أنجبت من زوجها ابنته آمال، المديرة السابقة للكلية الوطنية للدراما، وابنه فيصل الذي يعمل كوالده في الإخراج المسرحي في الهند.

 

 

  • مدرسة الدراما الوطنية
مدرسة الدراما الوطنية في نيودلهي

مدرسة الدراما الوطنية في نيودلهي

تأسست المدرسة الوطنية للدراما عام 1959م لتكون على غرار الأكاديمية الملكة للفنون المسرحية في لندن. طُلب من إبراهيم القاضي إدارتها عند افتتاحها لكنه في البداية لم يقبل معللاً ذلك بنقص خبرته الإدارية، لكنه بعد سنتين بدل رأيه وتسلم منصب الإدارة لخمسة عشر عام بين 1962م و 1977م.

 

محاضرة في مدرسة الدراما الوطنية

محاضرة في مدرسة الدراما الوطنية

 

خضع البناء المسرحي في الهند إلى التغيير في ظل إدارة إبراهيم القاضي الذي كان بجانب عمله كمخرج، مصمماً متمكناً. أسست المدرسة مفاهيم جمالية جديدة للمسرح الهندي ولتلاميذ هذا المسرح وحملت أفكاره لكل ركن في الهند. وكان منهجه التعليمي مفرطاً في الاهتمام بالتفاضيل وإدخال التنظيم الفني والتقني في جوانب المسرح: إدراة الخشبة، الإخراج …. إلخ.

 

 

يشرف على بروفى مسرحية في مدرسة الدراما الوطنية

يشرف على بروفى مسرحية في مدرسة الدراما الوطنية

 

 

قدم القاضي طرقا هيكلية منظمة في تعليم المهارات الأدائية خلافاً لما كان يُرى في الهند آنذاك، وكان يدعوا المخرجين المبدعين من الخارج للعمل في تعليم طلابه، الأمر الذي لا يتيح مجالاً للشك بأن القاضي ألهم جيلاً كاملاً من الممثلين والمخرجين والمصممين. وكان شديد الاهتمام بتوفير بيئة ملهمة ومريحة للطلاب ما اضطره إلى تنظيف دورات مياه المدرسة بنفسه.

ذهبت المدرسة في عهده إلى إنتاج أعمال بلغات هندية أخرى. بما في ذلك جيوتسانا أني جيوتي (JyotsanaAniJyoti) في عام 1967م للكاتب جانغادر جابجيل (من مواليد 1923م). وأعطى المعهد طابع وطني مع نظرة شاملة احتضنت الدراما الكلاسيكية السنسكريتية والفنون التقليدية والمسرح الهندي المعاصر بلغات هندية ودراما غربيةـ من الإغريقية إلى يومنا الحالي.

 

وأسرعت رؤية القاضي الجديدة للمسرح الهندي بالانتشار و بإلهام الجيل المسرحي الشاب آنذاك. بدءاً من الكلاسيكية الغربية، أصر القاضي على استكشاف المدرسة الكلاسيكية الهندية أيضاً، وبحلول عام 1962 حظيت أنشطة مدرسته باهتمام قومي واسع، وصار يُنظر إلى المسرحيات الهندية مثل أشاد كا إيك دين (AshadKaEkDin) جنباً إلى جنب مع المسرحيات الغربية مثل بيت الدمية لـ إبسن (A Doll’sHouse) و سكابين (Scapin) لـ موليير.

أوم بوري

أوم بوري

 

 

نصير الدين شاه

نصير الدين شاه

 

إن ما يجعل من إبراهيم القاضي الشخصية الأكثر تأثيراُ في ساحة الفنون في القرن العشرين هو حقيقة أن الطلاب الذين تتلمذوا عليه في مدرسة الدراما أصبحوا روّاد المسرح والسينما الهندية فيما بعد مثل أوم بوري ونصر الدين شاه و روهيتي هاتانجادي و مانوهار سنغ. يروي نصير الدين شاه عن القاضي :” كان للقاضي التأثير الأكبر، ليس على أدائي في التمثيل بل في اتساع ذهني. لم يكن القاضي مهتماً بالممثلين لكنه كان مصمم مبدع. لم يكن يسمح بضياع وقته مع الممثلين، حيث علمني بأن الممثل يحتاج أحيانا أن ينصت و يتبع التعلميات بدون نقاش. هنالك العديد من الدروس التي تعلمتها من القاضي كممثل، لكنها لم تكن دروس في الأداء و التمثيل”.

 

أوم بوري في وقفة إجلال لمعلمه القاضي أثناء تسلمه أحد التكريمات

أوم بوري في وقفة إجلال لمعلمه القاضي أثناء تسلمه أحد التكريمات

 

  • 50 مسرحية

كانت مسرحيات القاضي تتميز بأنها ذات رؤية واحدة متكاملة بفضل المواهب المتعددة التي يمتلكها من إخراج ورسم وتمثيل وتصوير، كما كان أول من قام بتنفيذ مسرحياته في الهواء الطلق حيث أن طبيعة الجو في الهند تعتبر بيئة مناسبة لذلك.

 

 

كانت اهتمامات القاضي عريضة تمتد من الكلاسيكيات اليونانية وصولاً إلى المسرحيات السنسكريتية، ومن مسرحيات شكسبير إلى المسرح الغربي المعاصر وصولاً إلى المسرحيات الهندية الحديثة. وكنتيجة لم يكن بناءه المسرحي يقتصر ببساطة على خشبة المسرح بل امتد إلى فضاءات أخرى أيضاً كالآثار القديمة والمسرح المفتوح والمدرجات. ترجم بإبداع كل فضاء يعرض المسرحية فيه ليخدم جوّ المسرحية ونجح في تصميم إصدارات متفاوتة لنفس المسرحية مثل مسرحية “Tughlaq” التي أداها مرة على خشبة مسرح، وأخرى في مسرح مفتوح في الهواء الطلق تتوسطه شجرة بانيان، وثالثة في حصن قديم في مدينة دلهي . كل بناء مسرحي كان مختلفاً تماماً مع اختلاف الفكر الجوهرية للمسرحية والتي تركز على شخص يبعد عن زمنه بفارغ الصبر يضع رؤيته لعالم مشرق لكن بقي وحيداً في أحلامه .

مشهد من مسرحية تاغلاك "Tughlaq" من إخراج إبراهيم القاضي وكتابة جيريش كارناد

مشهد من مسرحية تاغلاك من إخراج إبراهيم القاضي وكتابة جيريش كارناد

 

بالنسبة للقاضي، المسرح كان عمل كامل، حيث يتطلب اهتمام دقيق من إعداد مساحة التمثيل، معالجة و تفسير النص و تحويله إلى لوحات مرئية و تصميم السيناريو. أراد من المدرسة الوطنية للمسرح أن تطابق المعايير الدولية في المهنية و العمق الأكاديمي و المهارات المتخصصة و قد استطاع أن يحقق ذلك. كان تدريبه من قبل الأكاديمية الملكية لفن الدراما في بريطانيا نموذجياً حيث كان يسعى لجوانب كل دقيقة في إنتاج المسرحية. تم دمج التمثيل و الإخراج و إدارة المسرح في ممارسة المسرح و طرق تدريسه. يقول القاضي، “طورت الجانب المرئي للمسرح. و على عكس الجانب الأدبي، كنت مهتم جداً بمظهر خشبة المسرح مع كامل التصمييم. وبهذا أسست جميع المسرحيات التي أخرجها قواعد محددة للإنتاج و التحليل.

أخرج القاضي 50 مسرحية لم تبهت بمرور الزمن، ومازال الجمهور يطلب مشاهدتها، وتتلمذ على يده كبار المخرجين والممثلين على الساحة الدرامية والسينمائية في الهند. العديد من المسرحيات التي نفذها في بومباي كانت بدعم من الجالية الفارسية التي تعشق المسرحيات المكتوبة بالانجليزية والمقتبسة من مسرحيات هوليوود وكلاسيكيات الغرب، ولا سيما مسرحيات الإنجليزي شكسبير والإيرلندي صموئيل بيكت. وقد أنتج القاضي خلال المؤتمر الدولي للمستشرقين في نيودلهي المسرحية الكلاسيكية السنسكريتية أبيجنا ناشاكون تالام (AbbijnanaShakuntalam) للكاتب كاليداسا ، مما فتح الطريق أمام العديد من الكلاسيكيات السنسكريتية الأخرى في الهند.

 

وعندما شعر لاحقاً بضرورة تأسيس مسرح مستقل يحمل هويته وبصمته الخاصة، أنزوى على الآداب العربية يبحث فيها عن أفكار وروايات تصلح لتحويلها إلى أعمال مسرحية.

 

  • الفنان الشامل:

لم تنحصر جهود إبراهيم القاضي في الفن المسرحي، إذ برز عنده الاهتمام بجمع القطع التراثية والصور الفوتوغرافية النادرة حينما كان يتلقى تعليمه في لندن. فأنشأ معرض الفن التراثي عام 1978م بالتعاون مع زوجته روشان القاضي وكان ذلك نابعا من اهتمامه بقضية الفن المعاصر وتشجيعه لرواده. وعليه فقد أقام ونشر أكثر من 150 معرضا ومطبوعة، ودعم الكثير من المواهب الشابة وشجعها ونشر أعمالها. وكذلك أنشأ مؤسسة القاضي للفنون في نيودلهي وهي مؤسسة غير ربحية تهدف إلى حفظ مقتنياتها من الصور النادرة والتراثية التي يزيد عن عددها عن 90 ألفا جمعها إبراهيم القاضي خلال ثلاثين عاما لخدمة الباحثين والمهتمين، وتعنى بأرشفة مقتنياتها، مراعية في ذلك الأهمية التاريخية والقيمة المستقبلية في القادم من الأيام.

القاضي مع أحد مقتنياته للصور النادرة

القاضي مع أحد مقتنياته للصور النادرة

 

هذه المؤسسة مقامة على مبنى من 3 طوابق وفي كل طابق مكان مخصص للقراءة يستخدمه الباحثون وتحتوي على آلاف الكتب النادرة عن التاريخ الهندي ويتم تحديثها شهريا. والجدير بالذكر أن هذه المؤسسة أقامت معرضا دوليا في مدينة نيويورك الأمريكية، وفيه تم عرض الآلاف من الصور الفوتوغرافية النادرة عن الهند وبورما وسريلانكا من تلك التي تعود إلى القرنين التاسع والثامن عشر للميلاد.

كان للقاضي اهتمام خاص في الرسم وإنشاء معارض الفنون التشكيلية

كان للقاضي اهتمام خاص في الرسم وإنشاء معارض الفنون التشكيلية

 

وأقام القاضي الكثير من المعارض الخاصة بأعماله الفنية في الهند والمملكة المتحدة وكذلك سلسلة من المعارض التعليمية بعنوان “هذا هو الفن الحديث”، ومنذ عام 1977 كرس وقته واهتمامه لتشجيع الفنانين والمهتمين بالفنون البلاستيكية في جهد حثيث لتوسيع رقعة محبي الفن المعاصر وأطلق عددا من المشاريع التبادل الثقافي الدولي والجوائز والمطبوعات. وفي 1986 أنشأ مركز الفنون الدولية المعاصرة في نيويورك وهي مؤسسة غير ربحية تهدف إلى ترسيم جهوده الطويلة في تشجيع رواد الفن المعاصر لمواصلة سعيهم نحو التميز والتفوق.

 

  • التكريمات

تسعون عاماً عاشها القاضي وهو يقود تنمية فنية عظمى لم يسبقه إلى مثيلها أحد. تشكلت ثقافته من مزج الثقافات وآمن بأن اللوحة الفنية تكون في قمة جمالها عندما يكون فيها من كل بستانٍ زهرة. لاقى القاضي من التكريمات والتنويهات طوال مسيرة حياته ما لا يكاد حصره ومنها:

– جائزة بي بي سي للبث من بريطانيا عام 1950

– جائزة هارموني للتراث عام 1999 وذلك عن إسهاماته في الثقافة الهندية.

– جائزة تنوير سمان.

– جائزة كاليداس سمان عام 1986.

– جائزة آيبسن النرويجية لكتاب المسرح.

– جائزة راتان سمان الهندية.

– جائزة غورو شيشيا.

– جائزة انديرا غاندي مقدمة من المؤسسة الهندية للفنون والتراث الثقافي.

– جائزة حكومة دلهي للإنجاز.

– جائزة جامعة بهارتي في كلكتا.

– جائزة فارس الفنون والكتابة من الحكومة الفرنسية وهي أعلى جائزة ثقافية في فرنسا.

– جائزة بادما بوشن للفنون لعام 1991 وهي ثالث أعلى جائزة مدنية على مستوى الهند.

– جائزة بادما شري لعام 1966.

– زمالة أكاديمية سانجيت ناتاك للإخراج من يد الرئيس الهندي في عام 1962.

كما حصل القاضي على جوائز تقدير وتكريم من بريطانيا وفرنسا والنرويج عن مجمل أعماله وإبداعاته وأنشطته الفنية. وأبرز ما حصل عليه تكريمات هو جائزة بادما بوشن للفنون عام 1991 وهي ثالث أعلى جائزة مدنية على مستوى الهند، ووسام بادما فيبوشان وهو ثاني أعلى وسام مدني تمنحه الحكومة الهندية ويقوم الرئيس الهندي بتسليمه.

يستلم جائزة بادما بوشن من رئيس الهند

يستلم جائزة بادما بوشن من رئيس جمهورية الهند

تم اختيار إبراهيم القاضي ليكون الشخصية المكرمة لمهرجان أفلام السعودية في دورته الثانية 2015م بصفته رائد من روّاد الفنون السعوديين. يقدّم المهرجان جائزة النخلة الذهبية للأستاذ إبراهيم القاضي تقديراً لمجهوده في خدمة الثقافة والفنون ومساهمته في فتح الثقافة العربية على الثقافات الأخرى.

يستلم وسام بادما فيبوشان من رئيسة الهند براتيبها باتيل، 2010م

يستلم وسام بادما فيبوشان من رئيسة الهند براتيبها باتيل، 2010م


 

المصدر : كتاب إبراهيم القاضي “جسر بين ثقافتين” إصدار خاص من الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالدمام بمناسبة تكريمه في مهرجان أفلام السعودية-الدورة الثانية فبراير 2015م